اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )
17
تاريخ الأدب الجغرافي العربي
مدخل 1 - عرض عام ان المكانة المرموقة التي تشغلها الحضارة العربية في تاريخ البشرية لأمر مسلم به من الجميع في عصرنا هذا ؛ وقد وضح بجلاء في الخمسين عاما الأخيرة فضل العرب في تطوير جميع تلك العلوم التي اشتقت لنفسها طرقا ومسالك جديدة في العصور الوسطى ولا زالت حية إلى أيامنا هذه - أعنى علوم الفيزياء والرياضيات والكيمياء والبيولوجيا والجيولوجيا . أما فيما يتعلق بالأدب الفنى العالمي فإن العرب قد أسهموا فيه بنصيب وافر يمثل جزءا أساسيا من التراث العام للبشرية ، كما امتد تأثيرهم كذلك إلى عدد كبير من المصنفات والفنون الأدبية التي نشأت في بيئات غير عربية . وبالطبع ليس في وسع جميع الفنون المختلفة للأدب العربي الحافل أن تدعى لنفسها مكانة واحدة من حيث القيمة ومن حيث الأهمية العلمية ؛ وإذا كان بعضها مثل علم اللغة والعلوم الشرعية يمثل موضوعا لدراسات المتخصصين ، الأمر الذي لا يمنع بالطبع من أهمية استقراءاتهم في حالات معينة بالنسبة للنواحى العريضة في تاريخ الحضارة ، إلا أن عددا من فروع الأدب العربي قد اكتسب أهمية تجاوزت بكثير حدود اختصاصاته الضيقة . ولعل هذا يصدق قبل كل شئ على الأدب التاريخي والجغرافي العربي الذي اعترف العلماء به منذ عهد بعيد بأنه المصدر الأساسي والموثوق به في دراسة ماضي العالم الإسلامي ، إذ تتوفر فيه مادة لا ينضب معينها لا للمؤرخ أو الجغرافي فحسب ، بل أيضا لعلماء الاجتماع والاقتصاد ومؤرخي الأدب والعلم والدين ، وللغويين وعلماء الطبيعة . ولا يقتصر محيط الأدب الجغرافي العربي على البلاد العربية وحدها بل يمدنا بمعلومات من الدرجة الأولى عن جميع البلاد التي بلغها العرب أو التي تجمعت لديهم معلومات عنها ، وذلك بنفس الصورة المتنوعة التي وصفوا بها بلاد الإسلام . وقد يحدث أحيانا أن تمثل المادة الجغرافية العربية إما المصدر الوحيد أو الأهم لتاريخ حقبة معينة لقطرما . فمثلا فيما يتعلق بتاريخ إيران في عهد الساسانيين - وهو نفس العصر الذي تمثله تلك الآثار البديعة المحفوظة لدينا بمتحف الارمتاج Ermitage بلنينغراد - نجد أن المادة الأساسية قد حفظها لنا المؤلفون العرب . لذا فليس من الغرابة في شئ إذا صرحنا بأن هذا الأدب يوشك أن يكون المعين الأول الذي يرده - - مختلف المتخصصين من غير المستعربين وأن يصل الاهتمام به إلى درجة عالية . هذا الاهتمام يبرره الغنى الهائل لهذا الأدب ؛ ولتكوين فكرة عن ضخامته نذكر مثلا أن مؤرخ الأندلس الذي عاش في القرن السابع عشر وهو المقرّى قد أورد أسماء مائتين وثمانين شخصا